محمد جواد مغنية
280
في ظلال نهج البلاغة
بأعلام الوجود ما أشار اليه سبحانه بقوله : * ( أَولَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ الله السَّماواتِ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ ) * - 8 الروم أي إلا لحكمة وغاية ، لا لهوا ولا عبثا ، أما قول الإمام ( ع ) : « إقرار قلب ذي الجحود » فإنه يومئ إلى أن الدليل الذي يحتج به سبحانه على الجاحدين بوجوده ووجوب الايمان به هو نفس الدليل الذي يستدلون به على وجود الأشياء والتصديق بها في حياتهم اليومية ، وأعني بهذا الدليل منطق الحس والعقل . . أليس من دأب الناس جميعا - الجاحدين وغير الجاحدين - انهم إذا رأوا بأعينهم كتابا ، مثلا ، تجزم وتحكم عقولهم بوجود المؤلف ، فيؤمنون ويصدقون ، وإذا سمعوا بآذانهم كلاما من وراء حجاب آمنوا بوجود المتكلم . واللَّه سبحانه يقول للجاحدين : لقد رأيتم بأعينكم الكون وما فيه من نظام وإحكام ، كما رأيتم الكتاب وسمعتم المتكلم ، وعقولكم في واقعها وطبيعتها تحكم بوجود المكوّن بعد أن رأت العيون الكون ، بل الدليل هنا أوضح وأقوى . واذن ما هو المسوغ للجحود والإنكار وكيف اعتمدتم على منطق الحس والعقل في إثبات ما أثبتّموه ، ولم تعتمدوا على هذا المنطق نفسه في إثبات الخالق والتصديق به . وما هو المبرر لهذا التناقض وفصل الشيء عن نفسه فإن كان منطق الحس والعقل حجة في إثبات الشيء والتصديق به فهو حجة في كل مورد حتى في دلالة الكون على المكون ، بل هو هنا أدل وأقوى . وان لم يكن هذا المنطق حجة في إثباته تعالى على الرغم من رؤية الكون ونظامه - فلا يكون حجة أيضا في أي شيء من الأشياء ، والقول بالفصل والتجزئة جهالة وضلالة . . وهذا الرد والإلزام يقر به قلب الجاحد ويطمئن اليه ، وان أنكره بلسانه . تعالى اللَّه عما يقول الجاحدون علوا كبيرا .